محمد بن أحمد الفرغاني
31
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
ذلك تذكر قولهم لون الماءلون إنائه ، وكذا المراتب لها الحكم في أهلها بالاستتباع ، فإن مرتبة الحسّ تحكم بأنه لا يظهر فيها شيء إلّا محسوسا ، ومرتبة الروح والمثال كذلك ، ومراتب الكون لا يظهر فيها إلّا الخلق ، ومراتب الحق لا يظهر فيها إلّا الحق ، تدبّر تعرف سرّا لا يعرف ولا يشهد ولا يرى الحقّ إلا هو أو به ، فاستحضر تفز بأسرار جمّة . منها : أن العلم بحسب المرتبة الأولى والتعيّن الأول هو ظهور عين الذات لنفسه باندراج اعتبارات الواحدية فيها مع تحقّقها ، فكان متعلّقا بمعلوم واحد ، فكان لفظه حينئذ متعدّيا بحسب هذه المرتبة الأولى ، بمفعول واحد فإنه علم فيها ذاته فقط . وأما بحسب المرتبة الثانية ، فهو ظهور الذات لنفسها بشؤونها من حيث مظاهر تلك الشؤون المسمّاة صفات وحقائق فيها ، فكان لفظ العلم بهذا الحكم متعدّيا بالمفعولين ، فإنه يظهر لنفسه ذا حياة ، وذا علم ، وذا إرادة ، وذا قدرة ، وذا كلام ، وذا جود ، وذا عدل ؛ فكان للعلم بحسب انتهاء المرتبة الثانية وحكم معلوماته فيها كثرة حقيقية ووحدة نسبية مجموعية . ومنها : أن الوجود من حيث المرتبة الأولى ما به وجدان الذات نفسها في نفسها باندراج اعتبارات الواحدية فيها وجدان مجمل مندرج فيه تفصيله محكوم عليه بنفي الكثرة والمغايرة والغيرية والتميّز . وأما من حيث المرتبة الثانية ، فهو على نوعين ، أحدهما : من حيث ما هو منها مجلى الظهور للحق ، وهو - أعني الوجود - من هذه الحيثيّة ما به وجدان الذات عينها من حيث ظهوره وظهور صورته التي هي مسمّاه بظاهر اسم الرحمن ، وظهور صور تعيّناته المسمّاة أسماء إلهيّة مع وحدة عينه وصحة إضافة الكثرة النسبية إليه ، فله حينئذ وحدة حقيقية وكثرة نسبيّة ، فإن كل اسم إلهيّ إنما هو ظاهر الوجود الذي هو عين الذات ، لكن من تعيّنه وتقيّده لمعنى أو قل بصفة كالحيّ مثلا ، فإنه اسم للوجود الظاهر المتعيّن لكن تعيّنه وتقيّده بمعنى هو الحياة ، فبالنظر إلى عين الوجود ونفس التعيّن هو عين الذات ، فتكون وحدته حقيقية ، وبالنظر إلى التقيّد بذلك المعنى وتميّزه عن غيره من المعاني وتعيّنه ذلك بحسب ذلك المعنى تكون غير المسمّى ، فتكون له كثرة تعيّنات نسبيّة .